…بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
تعريف الرأس
الرأس هو ما اشتمل عليه منابت الشعر المعتاد، والنعتان منه، لأنه في سمت الناصية، والصدغ من الرأس، لأنه من منابت شعره. (المجموع شرح المهذب 1/409)
معنى المسح
المسح هو إمرار اليد على الشيء (أحمد بن فارس (1979)، معجم مقاييس اللغة، صفحة 322، جزء 5)
محل النزاع
اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، وإنما اختلفوا في المقدار الواجب مسحه من الرأس.
اختلف أهل العلم في القدر المجزئ على ثلاثة أقوال
يكفي في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية [المبسوط (1/ 63)]
دليلهم: حديث المغيرة ” أن النبي – عليه الصلاة والسلام – توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة “ أخرجه مسلم: 274
:وجه استدلالهم
لما مسح النبي – صلى الله عليه وسلم – على الناصية، كان مسحه – عليه الصلاة والسلام – على العمامة من باب الفضل، لا من باب الوجوب؛ إذ لا يمكن أن يجب مسح البدل ومسح الأصل في وقت واحد
يجب مسح جميع الرأس، وهو مذهب المالكية [المنتقى للباجي (1/ 38)]، والمشهور من مذهب الحنابلة [المغني (1/ 86)]
دليلهم: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد وهو جد عمرو بن يحيى أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فقال عبد الله بن زيد نعم فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه (رواه البخاري: 183). وقياسا أيضا على التيمم في قوله تعالى -: {فاغسلوا وجوهكم} ويجب فيه الاستيعاب. (المجموع شرح المهذب: 1/430 بالتصرف)
:وجه استدلالهم
هذا بيان لما أجمل في آية المائدة من قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾، وإذا كان فعله – صلى الله عليه وسلم – بيانًا لمجمل واجب، كان مسحه كله واجبًا، فالله – سبحانه وتعالى – أمر بمسح الرأس، وفعله – صلى الله عليه وسلم – امتثالاً للأمر، وتفسيرًا للمجمل.
المفروض أقل ما يتناوله اسم المسح، ولو شعرة، وهو مذهب الشافعية [المجموع (1/ 412)]
دليلهم: قال – تعالى -: ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾[29]
:وجه استدلالهم
يتحقق مسح الرأس بمسح جزء من أجزائه، كما تقول: ضربت رأسه، وضربت برأسه، فمن قال: إنه لا يكون ضاربًا لرأسه حقيقة إلا إذا وقع الضرب على كل جزء من أجزائه، فقد جاء بما لا يفهمه أهل اللغة ولا يعرفونه، ومثل هذا إذا قال القائل: مسحت الحائط ومسحت بالحائط، فإن المعنى للمسح يوجد بمسح جزء من أجزاء الحائط.
ثمرة الخلاف
وأصل هذا الاختلاف الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرة تكون زائدة ومرة تكون للإلصاق ومرة تدل على التبعيض.
- الباء زائدة
فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله ; ومعنى الزائدة ههنا كونها مؤكدة:
مثل قوله تعالى: (تنبت بالدهن) على قراءة من قرأ ” تنبت ” بضم التاء وكسر الباء من ” أنبت “. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 1/33)
- الباء للإلصاق
ومن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله أيضا واحتج بقوله تعالى -: {وامسحوا برءوسكم} قالوا والباء للإلصاق كقوله تعالى -: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ولأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الجميع لحديث عبد الله بن زيد السابق
- الباء تدل على التبعيض
ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضه، وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة ” أن النبي – عليه الصلاة والسلام – توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة “ خرجه مسلم: 274. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد: )
ومثال الباء التي تدل على التبعيض أيضا: قول القائل: أخذت بثوبه وبعضده، وهو قول الكوفيين من النحويين.
الترجيح
وبهذا يظهر أن الراجح هو القول بوجوب مسح الرأس كله في الوضوء.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: “ولو مسح بناصيته فقط دون بقيَّة الرَّأس فإنَّه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: ( وامسحوا برءوسكم ) المائدة/6 ولم يقل : (ببعض رؤوسكم)” والباء في اللغة العربية لا تأتي للتبعيض أبدا.
قال ابن برهان: من زعم أن الباء تأتي في اللّغة العربية للتبعيض فقد أخطأ (المغني: 1/176). وما ورد في حديث المغيرة بن شعبة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته؛ وعلى العِمامة، وعلى خُفَّيْه (رواه مسلم: 274). فإجزاء المسح على الناصية هنا لأنه مسح على العِمامة معه، فلا يدلُّ على جواز المسح على الناصية فقط –”الشرح الممتع” (1/187).
والله تعالى أعلم وأحكم






